محطة جاسك.. ورقة إيران الجيوسياسية لتجاوز مضيق هرمز

محطة جاسك في جنوب إيران، على شواطئ بحر عمان.

في خطوة استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، دشنت إيران محطة جاسك لتصدير النفط، لتصبح ركيزة جديدة في بنيتها التحتية النفطية؛ فبالإضافة إلى كون هذا المشروع خيارًا هندسيًا وفنيًا، فهو يعتبر قرارًا جيوسياسيًا بامتياز، إذ إنّ طهران تسعى من خلاله إلى إعادة تشكيل مسارات تصدير النفط بعيدًا عن نقطة الاختناق الاستراتيجية في مضيق هرمز، التي طالما شكلت تهديدًا محتملاً بسبب الصراعات الإقليمية والضغوط الدولية.

موقع محطة جاسك وأهميتها الجيوسياسية

تقع محطة جاسك في جنوب إيران، على شواطئ بحر عمان، وتتمتع بموقع جغرافي استثنائي يسمح لها بالوصول المباشر إلى المحيط الهندي دون حاجة للعبور عبر الخليج العربي، وهو ما يمنحها بعدًا استراتيجيًا هامًا. ويرتبط المشروع بأنبوب نفط طويل يُعرف بخط \”جوره – جاسك\”، يمتد من المناطق النفطية في غرب البلاد ليصل إلى ساحل بحر عمان، حيث يتم تحميل النفط على الناقلات العملاقة للتصدير المباشر.

من الناحية التشغيلية، بدأت إيران في تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع عبر بناء البنية التحتية الأساسية، التي شملت خزانات ضخمة، ومراسي بحرية، وخطوط أنابيب برية وبحرية، بقدرة تصديرية أولية تقدر بمليون برميل يوميًا، وقابلية للتوسعة لتصل إلى 100 مليون برميل في المستقبل، وقد تم بالفعل تصدير أول شحنة نفط خام من هذه المحطة في يوليو 2021 باستخدام ناقلة عملاقة، في خطوة وُصفت بأنها تاريخية.

لماذا تسعى إيران لفك ارتباطها بمضيق هرمز؟

الدافع الرئيسي لإقامة محطة جاسك يتمثل في تجاوز المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، والذي تمر عبره حوالي 90% من صادرات إيران النفطية، والذي يصبح في فترات التوتر الإقليمي نقطة ضغط استراتيجية يمكن أن تتعرض للتهديد أو الإغلاق، ما يُعطل حركة التجارة ويؤثر بشكل مباشر على عائدات النفط.

ومن خلال محطة جاسك، باتت إيران تمتلك منفذًا مباشرًا لتصدير النفط دون الحاجة للمرور بهذا المعبر الحساس، ما يُقلل من احتمالات تعطيل صادراتها تحت أي ظرف.

إضافة إلى البعد الأمني، تعكس محطة جاسك رغبة إيرانية واضحة في تعزيز قدرتها التنافسية على الساحة النفطية العالمية، إذ إنَّ التصدير من بحر عمان يُقلل من تكاليف التأمين ويزيد من مرونة التعامل مع الأسواق الآسيوية التي تشكل الشريحة الأكبر من مستهلكي النفط الإيراني.

كما يفتح هذا الميناء آفاقًا للتعاون الإقليمي من خلال ربطه المحتمل بأنابيب عابرة قادمة من دول آسيا الوسطى مثل تركمانستان وكازاخستان، وهو ما قد يُحول جاسك إلى مركز إقليمي للطاقة.

اقرأ أيضًا: تشويش الملاحة بالخليج ومضيق هرمز يشعل مخاوف النفط العالمي

التحديات التي تعرقل مشروع جاسك النفطي

لم تكن تكلفة المشروع منخفضة، حيث تُقدّر استثماراته بنحو 2 مليار دولار، إلا أنَّ الحكومة الإيرانية تؤكد أن الاعتماد على المقاولين المحليين قلّل من التكلفة الإجمالية وساهم في توفير أكثر من 500 مليون يورو مقارنة بالتقديرات الأصلية.

لكن على الرغم من التقدم الكبير في هذا المشروع، لا تزال تحديات كبيرة تواجهه، أبرزها العقوبات الأمريكية التي تُقيد بيع وتصدير النفط الإيراني وتُعيق التبادل المالي الدولي، فحتى مع وجود البنية التحتية تظل القدرة على الوصول إلى الأسواق رهينة التفاهمات السياسية الدولية، والقدرة على عقد اتفاقيات طويلة الأجل مع مستوردين كبار مثل الصين والهند.

علاوة على ذلك، فإن المنافسة الإقليمية من قبل مشاريع مشابهة، مثل خط أنابيب الفجيرة في الإمارات وخط شرق–غرب في السعودية، تضع إيران أمام اختبار حقيقي في قدرتها على جذب الحصص السوقية.

الأثر الاقتصادي الداخلي لميناء جاسك

من زاوية أخرى، يحمل المشروع أبعادًا اقتصادية داخلية مهمة، فهو لا يهدف فقط إلى تصدير النفط، بل يمثل أيضًا عاملًا محفزًا لتنمية المناطق الجنوبية والشرقية من إيران، وذلك من خلال خلق فرص عمل، وتحسين البنية التحتية، ودفع عجلة النشاط الاقتصادي في محافظة هرمزگان.

في النهاية، تمثل محطة جاسك جزءًا من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها إيران إلى إعادة هيكلة قطاعها النفطي لمزيد من المرونة، والقدرة على التكيّف مع الضغوط الدولية والتقلبات الإقليمية، وقد يُشكل المشروع نقلة نوعية في المشهد الجيوسياسي للطاقة في المنطقة، ويمنح إيران أداة إضافية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة في أنماط إنتاج وتجارة الطاقة.

ومع تحوّل ميناء جاسك إلى منصة جديدة لتصدير الطاقة، يبقى التساؤل: هل تنجح إيران في تجاوز التحديات الجيوسياسية والاقتصادية لتثبيت نفوذها في أسواق الطاقة العالمية؟

قد يهمّك أيضًا: الحرب الإيرانية الإسرائيلية.. من التصعيد إلى كسر العظام

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

ابق على اطلاع بآخر الأخبار والتحديثات من Economy Pedia من خلال الاشتراك في النشرة الإخبارية لدينا!

اشترك الآن

Discover more from Economypedia

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading